الاثنين، 11 ديسمبر 2017

جائزة البوكر والنجومية الروائية

جائزة البوكر العربية 


نتفق جميعاً، على أن الجائزة العالمية للرواية العربية، البوكر، باتت اليوم أهم مصنع للنجومية والشهرة في المجال الروائي على المستوى العربي، حيث تُحيط الجائزة المرشحين لقوائمها، الطويلة والقصيرة، ومن يُحرزها في النهاية بعد ذلك بالخصوص، بهالةٍ إعلاميةٍ واسعةٍ، واهتمامٍ غير مسبوق في الأوساط الثقافية العربية وحتى العالمية، وشريحة القرّاء بشكل عام، والمختصين أو المهتمين بفنّ الرواية بشكل خاص.



أسهمت الجائزة، أيضاً، على امتداد دوراتها السابقة، ومن خلال آليتها في الإعلان عن الروايات المرشحة في القائمة الطويلة، ومن ثم القائمة القصيرة وبعدها الجائزة الأولى، في إثارة الفضول القرائي لدى كل المهتمين بالرواية، أو لدى غالبية القراء العرب، حيث يسارعون لقراءتها والنقاش حولها وإبداء آرائهم فيها، حتى بلغتْ رواياتُ البوكر قوائم الأكثر بَيْعَاً في فترةٍ وجيزةٍ، ومن ثمّ الأكثر قراءةً، وهو الأهم. كما أنها دفعت بالقرّاء إلى تعقّب كل رواية جديدة تصدر باسم أحد حاملي لقب هذه الجائزة؛ من أجل اقتنائها وقراءتها وربما الحديث عنها وإبداء آرائهم فيها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع القراءة. وقد لاحظنا، بهذا الصدد، ما حصل مؤخراً حول رواية «فئران أمي حصّة» للروائي الكويتي الحائز جائزة البوكر في دورتها السادسة عام 2013 سعود السنعوسي، إذ نفدت عدة آلاف من النسخ من هذه الرواية خلال أقل من شهر واحد بعد صدورها، ودارت حولها نقاشات ساخنة.
صنعت جائزة البوكر حراكاً روائياً عربياً غير مسبوق، وهذا ما يعترف به الجميع، حتى منتقدي الجائزة، الذين قد تكون انتقاداتهم لأسباب تنظيمية، أو اختيار لجان التحكيم والمعايير التي انتهجتها في المفاضلة بين الروايات، أو خلافات حول نوعية الروايات المُرشّحة، أو حتى تلك المتعلقة بالنوايا الخفيّة التي تكمن وراء أصل الجائزة وأسباب إنشائها، التي قد يتكلّف بعضهم أو يتكهّن من أجل الكشف عنها. وحتى مع وجود كل هذه الانتقادات، يبقى صنيع هذه الجائز فعلاً خارقاً، فبعدما كنا نسمع ونردد ونلمس في الواقع أن «أمة اقرأ لا تقرأ» ، فتحت الجائزة الباب أمام مجموعة جيدة من الروايات، هي في تزايد كل عام، لتصنع لنا قرّاءً مستقبليين، يؤمنون بهذا الفن الجميل، ويدركون أبعاد قدرته على التغيير الناعم. وننتظر ما سيصنعه التنافس أو التفاعل الإيجابيين بين البوكر وكتّارا لصالح الرّواية العربية في المستقبل القريب.
أحمد سعداوي، العراقي الفائز بجائزة البوكر في العام الماضي، أبدى رد فعل مختلف بعض الشيء تجاه هالة النجومية وحزمة الضوء التي سُلّطت عليه، فرغم تلبيته لبعض الدعوات الثقافية، وإجراء العديد من الحوارات الصحافية، إلا أنه كان قليل الاحتفال بهذا الضجيج، وقد قام بتغيير اسمه في صفحته الشخصية في موقع فيسبوك إلى اسم أجنبي بعيد عن اسمه الحقيقي، ثم قام بإغلاقها لاحقاً، لكنه أعلن قبل ذلك أنه ينتظر إعلان الفائز بالدورة الحالية من جائزة البوكر للتخلص من العبء الذي ألقي على عاتقه. وقد عبّر عن أحد جوانب هذا العبء في إحدى الندوات بالقول إنه أصبح بمنزلة «السكرتير الخاص لفرانكشتاين»، بطل روايته، في إشارة إلى كثرة ما يُطلب منه الحديث عنه، وكثرة ما يكون مجبراً على العودة إلى الوراء في حين يريد هو التقدم إلى الأمام.
كان خبراً جيداً في ما يخص سعداوي أيضاً، عندما أعلن أنه يعيد قراءة روايتيه السابقتين «البلد الجميل» الصادرة عن دار الشؤون الثقافية في بغداد عام 2004، و«إنه يحلم أو يلعب أو يموت» الصادرة عن مؤسسة المدى عام 2008، لكي يجري عليهما بعض التعديلات من أجل إصدار طبعة جديدة لهما، من خلال منشورات الجمل في بيروت، وهي الدار التي نشرت روايته «فرانكشتاين في بغداد» التي حازت جائزة البوكر في دورتها السابعة عام 2014.
الانشغال بالنجومية والتوقف عندها كثيراً يُؤخر الكاتب ويُؤثر سلباً على مشروعه الإبداعي، أما الاعتقاد بأن ما تحقق له بهذه النجومية هو ذروة ما يمكن أن يصل إليه، وأنه غير مطالب بالإتيان بما هو أفضل، فهذا بمثابة الحكم على منجزه المقبل بالفشل والاندثار.
بقلم : علي كاظم داود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق