الاثنين، 11 ديسمبر 2017

رواية «يحدث في بغداد» للعراقي رسول محمد رسول… تخييل وراء التخييل

العاصمة العراقية بغداد مثلت المرآة التي انعكست عليها مجريات التغيير في سنوات ما بعد عام 2003؛ بوصفها عراقاً مصغّراً، ولعل الخريطة التي نُشرت في وسائل الإعلام، لمدينة بغداد، مُؤشّرَاً عليها بنقاط حمراء، تمثل أماكن التفجيرات التي وقعت على مدى السنوات التي أعقبت التغيير، تجسد مدى تأثر هذه المدينة، فلا يكاد يخلو فيها مكان أو شارع من نقطة حمراء، تشير إلى تفجير بعبوة ناسفة أو سيارة مفخخة أو حزام ناسف، أو نوع آخر من المتفجرات، وما أكثرها. هذا الحشد من المآسي التي شهدتها هذه المدينة في فترة المابعد، فضلاً عن تاريخها المرصّع بالخيبات في فترة الماقبل، جعل منها فضاءً مكتنزاً بالحكايات الجديرة بالتمثيل السردي.


من أجل ذلك حضر اسم بغداد كثيراً في عناوين الروايات، فضلاً عن متونها. ومن الروايات التي كانت بغداد محوراً لِعَنْوَنَتِها، الرواية الصادرة حديثاً بعنوان «يحدث في بغداد» وهي للناقد والكاتب العراقي رسول محمد رسول، عن الدار المصرية اللبنانية.
«يحدث في بغداد» رواية عن تلك «العاصمة المظلمة سوى من أصوات الرصاص المتقاذف على غير هدى، وصور القتل الأعمى، وتجوال غربان الشر بين خرائبها الموحشة» (ص14). ترصد الرواية حالة المدينة وما جرى عليها ويدور فيها من يوميات محزنة، تضبط مسيرها أصوات الانفجارات، وتعطل عجلة الحياة فيها القنابل والمفخخات بين حين وآخر. بغداد تحولت إلى «مدينة خربة، هرمة، يحتلها الشيطان، ويعبث بها على هوى جنونه» (ص179)، وهو ما يلخّص فداحة الوضع، ليس في بغداد فقط، بل في العراق بشكل عام، فهي قلب العراق وخلاصته.
الصديق الراحل:
يروي لنا سارد الرواية، واسمه سعيد، قصة صديقه الأحب وزميله المقرب مرهون الشاكر بعد رحيله. كان مرهون يعاني من آثار مرض مفاجئ، ومن متطلبات زوجته نهى، التي لم تنسجم معه بوصفه أديباً مثقفاً، يعيش حياة متواضعة، بعدما تزوجها إثر وفاة زوجته الأولى فاطمة. ترك مرهون والدته حزينة وحيدة، فهو آخر أبنائها الأربعة، اثنان أكلتهما الحرب في العهد السابق، والآخر قطع رأسه الإرهاب في العهد الجديد، إلى أن قضى المرض الرئوي على ولدها الأخير هذا.
ينحني الصابر للوجع:
يعثر سعيد على مخطوط رواية كتبها صديق عمره مرهون، بعنوان «ينحني الصابر للوجع». ينصرف إلى الاهتمام بمخطوط الرواية، ليعيش معها عدة أيام، آملاً إرسالها إلى ناشر يتكفل طباعتها وتوزيعها في وقت قريب، لكنه يصدم بأن الفصل الثاني والخامس منها مفقودان، فيبدأ رحلة بحث يائسة عن هذين الفصلين، يكتشف لاحقاً أن زوجة صديقه نهى هي التي أخذت الفصلين، أثناء رقوده في المستشفى.
تُجري إحدى الصحافيات حواراً مع سعيد، حول صديقه الأديب الراحل، فيكشف عن موضوع الرواية وسرقة فصلين منها، فتنتشر القضية وتتدخل فيها بعض المؤسسات المعنية، وتصل إلى القضاء، بهدف استعادتهما من الزوجة. يعرض سعيد بعض المقتطفات من الفصل الأول، ويكتشف أن ثمة تشابهاً بين الظروف التي تعيشها شخصيات رواية «ينحني الصابر للوجع»، وحياة صديقه في جوانب مهمة، ويجد، بعد تحليل النص المُضمّن، ورصد الإشارات الدالة فيه، أن ثمة ما يفيد بأن نهى ربما كانت تخون صديقه، وبالفعل يكتشف سعيد مغامراتها الغرامية مستغلة ثقة زوجها، وذلك من خلال شخص يسكن إلى جوار بيت أهلها. تكشف الرواية أيضاً أن الزوجة كانت تخون زوجها مع ضابط شرطة وشخص إرهابي، في وقت واحد، وفي ذلك دلالة رمزية عالية تشير إلى ظاهرة تواطؤ بعض أفراد الأمن مع الإرهابيين، أو تشارك السلطة والمجرمين أحياناً في هدف واحد، يتمثل في استلاب المواطن وحرمانه من حقوقه المادية الحقيقية في هذا الوطن.
الصديق الوفي:
سعيد يُعبّر عن آلامه من تأزم الوضع في بغداد، ومن صعوبة الحياة فيها، وهو شخص متعاون ومُحب، فعندما وجد امرأة تبحث عن شخص يتبرع لابنها بالدم، استجاب لها سريعاً، وأبدى سعادته بذلك حين قال: «شعرت بالارتياح أن دماءنا تذهب إلى بعضنا ولا يبتلعها إسفلت الشوارع والأرصفة أو يحرقها بارود المفخخات الفاتك» (ص52). كانت المودّة هي التي تغلب على أسلوب تعامله مع زوجته ومع المحيطين به، حتى أنه قرر أن يسمي وليده القادم، إن كان ذكراً، باسم مرهون، ليس وفاءً لصديقه الراحل فقط، بل لإسعاد قلب أمّه «المفجوعة بالغياب المتكرر» (ص59).
المشكل الاجتماعي في الرواية:
تؤشر الرواية إلى عدة مشكلات اجتماعية أنهكت بنية المجتمع، وتحلل بعض أسبابها، وتشير إلى أهمها بالقول: «الحروب التي مرت علينا نخرت أخلاق الناس، ضربتها في العمق» ، «فالواقع المر الذي نعيشه هو الذي صار اللعنة» (ص90). تلك الإشكاليات العميقة أخذت تتلاعب بسلوكيات الناس وتدفع بهم إلى مهاوي الرذيلة، وهو ما سعت الرواية إلى تمثيله في بعض الشخصيات الشريرة، في مقابل شخصيات خيّرة لم تتأثر كثيراً بالواقع الجديد الذي عصف بالمجتمع.أثّرت أحداث ما بعد تغيير 2003 بشكل سلبي على المجتمع، فقد «غدت حياتنا أكثر تعقيداً من ذي قبل… غدونا فريسة لأقدار جديدة علينا» (ص169)، كما شهد الواقع العراقي انقلاباً شاسعاً في أنماط الحياة وتقاليدها، حيث أصبحت مشبعة بالعنف على نحو سافر، حتى بات «ما يجري لنا هو الجحيم» (ص 179) بحسب قول إحدى الشخصيات.
رواية عن الرواية:
تستخدم الرواية بعض الأسماء لشخصيات واقعية؛ لتضاعف بذلك جرعة التخييل بواقعية مجرياتها، وبالمقابل قامت بتحويل حياة مرهون وزوجته إلى رواية، وبذلك تقترح تخييلاً وراء التخييل، أو رواية عن الرواية، فتقوم بتسريد حياة بعض شخصياتها التي يصنعها السرد بالأصل في مستواه الأول. الرواية ـ في ما نرى ـ كُتبت بروحية الناقد ووعيه، وحتى لغته أحياناً، فالكاتب بوصفه ناقداً بالأصل لم يتمكن من الهروب من هذا المهيمن الثقافي الذاتي على فعله الإبداعي، لكن هذا الوعي النقدي الحاضر بقوة جعل من «يحدث في بغداد» رواية مُتقنة في بنائها.
نهاية مُفارِقة:
خاتمة الرواية كسرت أفق التوقع الذي صنعته مسبقاً، فلم تكن نهاية الزوجة، المنحرفة أخلاقياً، بعملية انتحارية تنفذها تحت غطاء ديني أمراً متوقعاً، وهذه المفارقة تفضح مزاعم الجماعات الإرهابية المتسترة بستار الدين، بالكشف عن تناقضها الواضح، بين ما تتبناه من مبادئ وبين ما تقترفه من أفعال شنيعة، مهما كانت الوسائل التي توصلها إلى ذلك.
*كاتب عراقي
علي كاظم داود*

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق