الأحد، 10 ديسمبر 2017

عنف الواقع العراقي في المتخيل الروائي

عنف الواقع العراقي في المتخيل الروائي


لطالما كانت اللغة أداةً من أدواتِ العنف، ووسيلة من وسائلِ إعادةِ إنتاجه، ليس العنفُ اللفظيُ فقط، بل العنف المادي أيضاً، من خلال التسويق والترويج للأفعال والممارسات العنفية في الواقع، أو التبشير بها قبل وقوعها. ولعل عصرنا هو أكثر العصور حفاوةً بإعادةِ إنتاجِ العنفِ من خلال اللغة السردية، أو فعل السرد الإبداعي بشكل عام، الأمر الذي ربما من شأنه أن يضفي مسحة جمالية على وجه العنف القبيح.


الكتابةُ عن العنفِ، أو إعادة تسريده، في العالم المعاصر، أو في العراق بالتحديد، يمكن أن تعدّ بمثابة احتفاء به على نحو ما، ربما يكون احتفاء سلبياً، بوصفه فعلاً ضاغطاً ومهيمناً، يمتلك خطاباً وقائعياً مؤثراً، مكّنه من التسرب إلى السرديات بشتى أنواعها، والرواية منها على وجه الخصوص، وأخذِ مساحةٍ مهمةٍ فيها.
الرواية بوصفها أداة بحث واستكشاف وتحليل للواقع وإشكالياته، وتمثيل مجريات الحياة الملحّة وأحداثها المثيرة، لا غرابة أن نجد فيها انعكاساً للواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي، إذ ربما من البديهي جداً القول إن الرواية فنٌ أدبيٌ ذو مُضمرٍ ثقافي، وهذا الثقافي ما هو إلا مفعولٌ اجتماعي أو حتى سياسي أو أيديولوجي في المتن الروائي. هذا الأمر قد يحيلنا إلى مقولة موت المؤلف، التي وإن كنا لا نؤمن بها كلياً، إلا أننا نراها تعبر، بطريقة مثالية، عن كون النصوص، في بنيتها المعنوية بالتحديد، ما هي إلا منجز ثقافي اجتماعي بامتياز.
في التجربة العراقية الروائية، وفي حقبة ما بعد تغيير 2003 بالخصوص، برز ذلك الانعكاس الواقعي، مستبطناً مضمره الثقافي، بأبعاده الاجتماعية والسياسية، وكانت للرواية أساليب مختلفة لتناول العنف وأشكاله، وأنماط متباينة لتحليل أسبابه ودوافعه، بعد أن أصبح العنف مكوناً أساسياً في حياة العراقيين، ومفردة لا تغيب عن يومياتهم.
الروايات العراقية أخذت تشخّص أو تشير، من خلال رؤى فنية ومعالجات مختلفة، إلى عدة منابع وأسباب وغايات، كانت كلها، مجتمعة أو منفردة، أساساً لاندلاع العنف في العراق، بعد سقوط النظام السابق، ولعل من أبرز ما تؤشره الروايات:
أولاً: صناعة الفوضى والتناحر وإشاعة الرعب بين العراقيين، بهدف إضعافهم وتفكيك بلدهم، وذلك يأتي في الغالب من أجل مصالح خارجية.
ثانياً: تأجيج المشاعر الطائفية والفئوية، بشتى الوسائل والمبررات، حتى بات كل فعل يصدر من الآخر لا يفسر إلا على أسس طائفية، لكي تتخذ على أساسه ردود فعل معاكسة تسهم في تفاقم العنف واتساع رقعته.
ثالثاً: ثمة دوافع إجرامية، لا يخلو منها أي مجتمع، تصاعدت وتيرتها في العراق؛ بسبب ضعف الدولة وتفكك أجهزتها الأمنية.
رابعاً: تفاقم المشكل الاجتماعي الناتج عن انخفاض مستويات الوعي بضرورة بناء دولة حاكمة وقوية ومهيمنة على الجميع بالعدالة وسلطة القانون والنظام.
خامساً: النهج العنفي الذي حكم البلاد على مدى عقود طويلة، كان يرتدي خلالها ثياباً أيديولوجية مختلفة الألوان، ويستبدلها بين حين وآخر، تحوّل، بعد سقوطه، إلى منهاجٍ يسير عليه المجتمع، ويلتزم بتطبيق تفاصيله من دون أن يشعر، حتى إن كان كارهاً له، فقد تشبّع به حدّ التخمة، وتطبّع به، حتى صار العنف طبيعة غالبة فيه.
في ما يأتي سنعرض لنموذجين روائيين، من الروايات العراقية الصادرة حديثاً، نجد فيهما تمثيلاً سردياً واضحاً لظاهرة العنف في العراق، كلاً حسب الرؤية الفنية المختارة في بناء النص الروائي.

رواية «فرانكشتاين في بغداد»

يرمز أحمد سعداوي في روايته «فرانكشتاين في بغداد»، الصادرة عن منشورات الجمل، في بيروت وبغداد، عام 2013، إلى أن الجميع مشتركون في صناعة الموت والعنف، من خلال كائنه الغريب المكون من أشلاء متناثرة، أو ما يعرّف عنه بـ(الشسمه)، التي تعني في ما تعني الذي لا يحمل اسماً محدداً، ولا هوية معينة.
تعمل الرواية على تمثيل الواقع البغدادي، في مرحلة ما بعد التغيير، وتجسيد الإشكاليات والموضوعات التي ظهرت فيه، ومن بينها موضوعة الهوية والتعددية. فعلى سبيل المثال، في الخرابة اليهودية التي يسكنها هادي العتاك كانت عدسة السارد تتجه بين الحين والآخر إلى ورقة جدارية مطبوع عليها آية الكرسي، ملصقة كيفما اتفق، وعندما سقطت هذه الورقة ظهر له أنها كانت تخفي خلفها موضعاً مربعاً محفوراً في الجدار، ينتصب فيه تمثال للعذراء، وفي ظروف معينة ينكسر التمثال ليكتشف هادي أن خلفه نقشا خشبيا على شكل شمعدان، أي تلك الإيقونة اليهودية المعروفة. هذه المتوالية السردية ذات رمزية عالية، فالديانات الثلاثة المشار لها هنا كانت متعايشة ومختلطة بسلام في محلات بغداد وأزقتها، وكانت بغداد مكاناً تتواءم فيه هذه الهويات الفرعية، من دون أن يكون لها ظهور نافر يشكل عازلاً بين حامليها، لكن يوماً بعد آخر أخذت إحداها تغطي الأخرى وتخفيها، أو أن بعضها أخذ بالانزواء والضمور التدريجي، حتى لم يعد لها وجود في بغداد، ولأسباب مختلفة. يهود بغداد هم الأسبق بالاختفاء، حيث أجبروا على ترك منازلهم والهجرة إلى أرض فلسطين المحتلة، ثم جاء الدور على المسيحيين الذين أخذ المتطرفون باستهدافهم وتنفيذ عمليات إرهابية في كنائسهم، فهاجر كثير منهم، حتى صارت صفة الشتات والتفرق لصيقة بهم، ولم يبق في بغداد غير حاملي هوية الإسلام، من دون أن يتوقف الصراع في ما بينهم.
فعل التغطية ليس فعلاً ثقافياً جديداً، وله أبعاد عنفية بلا شك، فالهويات تسعى بشكل دائم للتغطية على الهويات الأخرى وبسط سطوتها وهيمنتها عليها، وغالباً ما تكون الفئة الأكثر حضوراً هي المتورطة بهذا الفعل، من خلال التبشير أو التهديد أو التهجير أو الإبادة والمحو.
فرانكشتاين البغدادي، بطل الرواية، يمكن النظر إليه أيضاً على أنه المنقذ في مدينة الظلام والعنف. في هذه الشخصية يضرب سعداوي على هاجس ونزوع إنساني قديم، يتمثل في انتظار المخلّص في عالم مليء بالظلم والفساد واستباحة كل المحرمات، فالظلام يحيط بالجميع، والعتمة تستبد بالأزقة والشوارع، والموت شبح يترصد كل ساكني هذه المدينة وفي كل وقت.

رواية «منازل الوحشة»

تلقي رواية دنى غالي المعنونة «منازل الوحشة» والصادرة عن دار التنوير في بيروت عام 2013، بمسؤولية العنف على عاتق النظام السابق، من خلال الوجوه والأقنعة الجديدة، فقد تمكن النظام السابق من العودة لممارسة جرائمه من خلالها، فتقول على لسان ساردتها: «استبشرنا بزوال النظام السابق وانقشاع عتمة الخوف عن حياتنا، لكنه عاد من جديد بهيئات أخرى». ذلك العنف حوّل الحياة إلى ما يشبه الجحيم، ودفع بشخصيات الرواية إلى العزلة الاختيارية، فـ «دائماً ما هو خارج البيت كان أشد رعباً وخطورة» على حدّ وصفهم.
تؤرخ الرواية للأزمة التي عاشها العراقيون عموماً وسكان بغداد بالخصوص، في فترة الذروة للعنف الطائفي، التي تسببت بقتل وتهجير الآلاف منهم، حيث ينحصر زمن القص فيها بين مطلع عام 2006، وحتى نهاية عام 2008.
تنقل الساردة حادثة اختطاف زوجها في عام 2006، من مكان عمله في معهد الفنون، وبعد تحريره وعودته إلى البيت، تقول: «بقينا مرعوبين حد اللزوجة، نخاف من خيالنا»، الأمر الذي اضطره إلى الانقطاع عن الدوام ومن ثم السفر إلى خارج العراق، في حين بقيت هي وابنها أشبه بالحبيسين داخل المنزل. لكن الرواية تشير إلى لحظة فاصلة في سيرة العنف العراقي بقولها: «هز التفجير في سامراء بغداد كلها»، وقد كانت تلك الجريمة بالفعل التحول الأخطر في ما شهده العراق بعد التغيير. تعود الساردة مرة أخرى لتحمل النظام السابق تبعات ما جرى، بإشارتها الذكية وتحليلها لبعض أفعاله التي ظاهرها حسن وباطنها سيئ، فتقول: «هذه بالطبع هي جرائر الحملة الإيمانية التي تعود إلى منتصف التسعينات، ألم أحدثك عن التطرف والتشظي الذي أحدثته داخل وخارج العراق لكلا الطائفتين».
كاتب عراقي
علي كاظم داود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق