الاثنين، 11 ديسمبر 2017

المتخيل واقعيا... عن رواية متحف البراءة لاورهان باموك


بعد إصدار روايته (متحف البراءة) شرع الروائي التركي أورهان باموك بإنشاء متحف يحمل الاسم ذاته، وأعلن عن افتتاحه أمام الزوار في مؤتمر صحفي. في المتحف يجد الزائر مقتنيات ومستعملات وأشياء تتعلق بشخصيات روايته. ربما يبدو هذا الأمر غريباً بعض الشيء، لكنه بالمقابل يشير إلى أن باموك قد عاش فعلاً فترة من الزمن مع شخصيات روايته، حتى تحولت في مخيلته إلى شخصيات حقيقية، وبعد إنجاز الرواية أراد إحياء ذكرها والاحتفاء بآثارها، فعمد إلى تخليدها في الواقع، بعد أن كانت جزءاً من نسيج متخيل، وبذلك أصبحت علاقة السرد بالواقع علاقة معكوسة، وصارت بديلاً عن وظيفة الرواية المعهودة في الغالب، أي تمثيل الواقعي في المتخيل.المتحف الذي أنشأه باموك في بناية قديمة على الجانب الأوروبي من البسفور في اسطنبول بات محجّاً لعشاق السرد، وكل من قرأ رواية متحف البراءة، أو أية رواية لباموك، لابد أن تحدّثه نفسه بزيارة هذا المتحف؛ لكي يرى كيف تتمثل الأشياء السردية في الواقع.

أمام هذا المتحف، هل تغدو ثمة قيمة للتساؤل: أيهما منح الاختلاف للآخر، الرواية أم المتحف؟ وما مقدار الأهمية التي يمكن أن نوليها لتهمة الترويج والتسويق التي قد تحوم حول المتحف لصالح الرواية؟ أو حتى كون المتحف مشروعاً ربحياً بحتاً (سعر التذكرة ثلاثون ليرة تركية)؟


أصبح الحديث عن الرواية أو مراجعتها لا بد أن يمر على- أو من خلال- بوابة هذا المتحف. الرواية هي الأولى لحامل نوبل للآداب 2006، بعد حصوله على الجائزة، وقد صدرت بالتركية العام 2008 وبالإنجليزية في العام التالي، وذكر باموك أنه تمكن من خلال هذه الرواية من تأسيس متحف مبني على رواية.في المتحف يشاهد القارئ تفاصيل الرواية وأشياءها وقد خرجت من متنها السردي لكي تتجسد أمامه بشكل مرئي ومحسوس، فتدعوه إلى أن يعيشها بطريقة مختلفة هذه المرة، بعد أن عاشها من خلال المخيال الروائي. وبغض النظر عن قيمة الرواية فنياً، فإن مسمى (متحف البراءة) يمثل تجربة فريدة، فإن يتجسد السرد في متحف فهذا سبق في مجاله، فقد كنا نرى الروايات تتجسد في الأفلام السينمائية أو في المسلسلات التلفزيونية، لكن أن نراها في متحف هو أمر جديد ومغاير تماماً، ومثير للتشويق والفضول أيضاً.
دفتر مدرسي، حقيبة، فستان، فنجان قهوة، ملاعق، زجاجات المشروبات الغازية وزجاجات العطر، ساعات وحلي، بطاقات بريدية وقصاصات من صحف قديمة، ومجموعة كبيرة من أعقاب السجائر، «4213 عقب سيجارة، سجائر فوسون»، كما يقول كمال بطل الرواية. في الواجهة الخاصة بأعقاب السجائر يقرأ الزائر ملاحظة تحت كل منها، تبين الحالة النفسية التي كانت عليها "فوسون" عندما دخنت هذه السيجارة أو تلك.
المتحف تكون من مجموعة كبيرة من المسروقات، أشياء مستعملة كثيرة سرقها "كمال" بطل الرواية من "منزل طارق بيه والد فوسون"، المرأة التي كان يرغب في الارتباط بها، لكن رفضها لم يكن له نهاية. هذه المسروقات صارت اليوم مقتنيات متحف البراءة، موزعة على ثلاث وثمانين واجهة بعدد فصول الرواية، ويمكن مشاهدتها في اسطنبول، في مبنى قديم يقع في حي كوكوركوما بمنطقة بيوغلو. معروضات المتحف في الحقيقة هي مقتنيات جمعها باموك نفسه، اشتراها من سوق المستعملات أو أخذها من بعض الأصدقاء أو بعض أفراد الأسرة، فصارت تؤرخ لمدينة اسطنبول في فترة الستينيات السبعينيات من القرن الماضي، الفضاء الزمني الذي دارت فيه أحداث الرواية. في داخل الرواية يقوم كمال بإنشاء المتحف، مثلما قام باموك بإنشائه في الواقع، والهدف في الرواية هو أن يروي كمال قصته من خلال الأشياء، وهذا الهدف قد يشاركه فيه باموك أيضاً، الأمر الذي قد يبرر لقاءهما في متن الرواية، حيث يلتقي كمال بالروائي أورهان باموك، فيتفق معه على كتابة الرواية التي تحكي قصته، فيموت كمال بين أشياء المتحف، مثلما تمنى، ليقدم باموك نفسه على أنه سارد هذه الرواية.
عن سبب اختياره للأشياء المستعملة والعادية لهذا المتحف يقول باموك في حوار أجري معه: «هذه أشياء تحيي الذكريات في داخلنا وتروي قصصاً كاملة»، ويصف ذلك الشيء المميز الكامن في هذه الأشياء بـ «السحر العادي ... الذي يكتشفه المرء من النظرة الثانية»، وهو يدعو بذلك للتأمل في جماليات الأشياء المألوفة. وقد كانت فكرتا الرواية والمتحف تسيران بالتوازي في شوارع رأسه، إذ يصرّح باموك: « تطورَّت لدي الفكرتان بشكلٍ متوازٍ. ولم يكن الأمر كما لو أنَّني ألَّفت كتابًا ناجحًا وثم فكّرت أنَّه يجب علي الآن أن أحوِّله إلى متحف. عندما كانت ابنتي ما تزال صغيرة، كنت آخذها في كلِّ يوم إلى المدرسة وأمرّ دائمًا على هذا المبنى الواقع على الزاوية، وفجأة راودتني هذه الفكرة الغريبة، أن أروي في داخل هذا المبنى قصة خيالية، وهكذا اشتريت المبنى وبدأت في الكتابة»، فأخذ يجمع الأشياء لكي يدخلها في بناء روايته، فيراها أولاً ومن ثم يقوم بوصفها، فكان عمله بمثابة تصريع سردي، يقابل بين الحكي داخل الرواية وتشخيص الأشياء في الواقع. 
متحف السرد الذي أسسه باموك إنما يؤرخ لحياة مدينة اسطنبول في حقبة ما، ويحكي قصصاً كثيرة عاشتها، ويوثق لأنماط من الحياة مرّت بها. صور التقطتها ذاكرة الكاتب، وطبعتها عدسة السارد، حتى قبضت عليها واجهات العرض الزجاجية لمتحف البراءة، لتهبها ذاكرة أخرى، وقصة بأسلوب جديد، وليختلط الزمن الواقعي بالخيالي في حكاية هذا المتحف الفريد.

بقلم: علي كاظم داود

وفي الفيديو الآتي جولة في متحف البراءة:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق