الأربعاء، 17 يناير 2018

المشي إلى الوراء - قصة قصيرة

المشي إلى الوراء - قصة قصيرة 


بقلم : علي كاظم داود
كانت «ميشا» مدينة كبيرة، تبسط سطوتها على بلادٍ شاسعة، وتمسك بأسباب التجارة ومصادر الثراء، إلى أن أتى الطوفان. أمطرت السماء أياماً طويلةً بلياليها، حتى اعتقد الناس أن المطر لن يتوقف أبداً. فاضت الأنهار والجداول، وغرقت الشوارع والمنازل، واتصلت الأهوار من حول المدينة، فانحسرت كثيراً وانقطعت تماماً عن العالم.
عندما توقف المطر فجأةً خرج الناس من منازلهم فوجدوا أن المدينة التي كانت عامرة تحولت إلى خرائب تمخر الماء. كثيرون ماتوا غرقاً أو جوعاً أو بسبب انتشار الأمراض الفتاكة. الأراضي الزراعية الشاسعة تحولت إلى مسطحات مائية موحلة، حتى السمك لا يمكنه العيش فيها. قطعان الأبقار والأغنام والحيوانات الأخرى نفقت كلها. قضى الناس أياماً يعملون للتخلص من المياه وتصريفها، وأخيراً، وبعد عناءٍ طويلٍ، نجحوا في تهيئة بقعةٍ صغيرةٍ من الأرض لكي يزرعوها، قبل أن يهلكوا جميعاَ أو يأكل بعضهم بعضاً.



تناقصت أعداد السكان كثيراً، وانشغل الباقون منهم بإصلاح المنازل وزراعة الأرض ودفن الموتى.
في ذلك الوقت ظهر مرض غريب يجعل من يصاب به يسير إلى الوراء. في البدء ذعر الناس من هذا المرض، وعزلوا المصابين بعيداً في منازل مهدمة مات أهلها، وحاولوا بما تبقى لديهم من معرفة بالطب أن يجدوا له علاجاً أو تفسيراً، غير أنه سرعان ما تحول إلى وباء أصاب سكان ميشا قاطبةً.
على امتداد السنوات الطويلة القادمة كان الجميع يسيرون إلى الوراء، يتحركون داخل بيوتهم أو يذهبون للزراعة أو يحملون الموتى إلى قبورهم. أول الأمر كانوا يصطدمون ببعضهم أو بالجدران أو يتعثرون بالأشياء الملقاة على الأرض أو يسقطون في المياه فيهلكون غرقاً؛ إذ لا يمكنهم السباحة إلى الوراء، لكن بعد ذلك لم يحصل أي شيء من هذه الأمور،  فقد كانت السنوات كفيلة بتكيفهم مع طريقة سيرهم الجديدة، إلى أن جاء اليوم الذي نسوا فيه تماماً أنهم كانوا يمشون إلى الأمام في ما مضى.
انقرض الجيل الذي شهد الطوفان، وذابت حكاياته على الألسن، وبعد عدةِ أجيالٍ تحولت الحكايات إلى أضغاثٍ لا تكاد تجد لها مكاناً في ذاكرة أحد.
الأطفال الذين ولدوا بعد مئات السنين كانوا يَحْبون إلى الوراء، وينقلون خطاهم الأولى إلى الوراء، حيواتهم كلها تتجه إلى الوراء حتى موتهم وحملهم على الأكتاف. تحول الخلف عندهم، وبصورة نهائية، إلى أمام، وصار الأمام هو الخلف، إلى الأبد.
لم يعد يفكر أحد من سكان ميشا أن ثمة حياة من أي شكل قد تكون موجودة خارج حدود مدينتهم الصغيرة المحاصرة بالمياه الموحلة، ولم يفكر أحد منهم بصنع وسيلة نقل تطفو على المياه والإبحار بها بعيداً؛ إذ طالما كانت المياه عدواً مسكوناً بالشرور، بعدما ابتلعت منهم كثيرين، وألقت عليهم الأوبئة والأمراض.
في صبيحة يوم ما، وبعد قرون من العيش كيفما اتفق، سمع السكان صوتاً غريباً، متواصلاً ومتصاعداً، قادماً من جهة الغرب، حيث ينتشر ضباب خفيف يحجب الرؤية البعيدة. لم يتبين الناس مصدر الصوت، إلا أنهم اجتمعوا وجلين بانتظار اكتشاف حقيقته، وقد توقع عدد منهم أنه بعضٌ من شرور المياه.

تدريجياً بدا للأعين المرتقِبة شيء معدني مقعر يطفو على المياه، يُطلق الصوت الرتيب من مؤخرته التي تدفع المياه بطريقة سحرية، ويجلس في داخله شخص يرتدي ملابس غريبة. هرب بعض الناس إلى بيوتهم، وابتعد الآخرون كثيراً عن المكان الذي رسا فيه على اليابسة. عندما نزل الرجل المُريب على الأرض وسار ببطء نحوهم تأكدوا أنه لعنةٌ أرسلتها المياه، على شكلِ إنسانٍ هذه المرة، من أجل القضاء عليهم، ولهذا يجب التخلص من خطرِهِ سريعاً؛ إذ إنه كان ينقل خطاه بطريقةٍ عجيبةٍ، لم يروا مثلها من قبل، باتجاهٍ معاكسٍ لاتجاه سيرهم تماماً. 

هناك تعليقان (2):